محمد حسين هيكل

265

حياة محمد ( ص )

أسفل مكة أشدّ قريش عداوة لمحمد ، ومن اشتركوا مع بني بكر في نقض الحديبية بالغارة على خزاعة . هؤلاء لم يرضهم ما نادى به أبو سفيان . بل أعدّوا عدّتهم للقتال ، وأعدّ آخرون منهم عدتهم للفرار . وقام على رأسهم صفوان وسهيل وعكرمة بن أبي جهل . فلمّا دخلت فرقة خالد أمطروها نبالهم ، لكن خالدا لم يلبث أن فرّقهم ، ولم يقتل من رجاله إلا اثنان ضلّا طريقهما وانفصلا عنه . أمّا قريش ففقدوا ثلاثة عشر رجلا في رواية ، وثمانية وعشرين في رواية أخرى . ولم يلبث صفوان وسهيل وعكرمة حين رأوا الدائرة تدور عليهم أن ولّوا الأدبار . تاركين وراءهم من حرّضوهم ، على المقاومة يصلون بأس خالد وبطش أبطاله معه . وبينما كان محمد على رأس المهاجرين يرقى في مرتفع ينزل منه إلى مكة مطمئن النفس لفتحها في سكينة وسلم بصر بأمّ القرى وبما فيها جميعا ، وبصر بتلماع السيوف أسفل المدينة وبمطاردة جيش خالد لمن هاجموهم . هنالك أسف وصاح مغضبا يذكر أمره ألا يكون قتال . فلمّا علم بما كان ، ذكر أن الخيرة فيما اختاره اللّه . ونزل النبيّ بأعلى مكة قبالة جبل هند ، وهنالك ضربت له قبّة على مقربة من قبري أبي طالب وخديجة . وسئل : هل يريد أن يستريح في بيته ؟ فأجاب : كلا ! فما تركوا لي بمكة بيتا . ودخل إلى القبّة يستريح وقلبه مفعم بشكر اللّه أن عاد عزيزا منتصرا إلى البلد الذي آذاه وعذّبه وأخرجه من بين أهله ودياره ، وأجال بصره في الوادي وفي الجبال المحيطة به ، في هذه الجبال التي كان يأوي إلى شعابها حين يشتد به أذى قريش وتشتدّ به قطيعتها ، في هذه الجبال ، ومن بينها حراء حيث كان يتحنّث حين نزل عليه الوحي أن : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) « 1 » . أجال بصره في هذا الجبال وفي الوادي مبعثرة منازل مكة فيه يتوسّطها البيت الحرام ، فبلغ من خضوعه للّه أن ترقرقت في عينه دمعة إسلام وشكر للحق لا حقّ إلا هو ، إليه يرجع الأمر كله . وشعر ساعتئذ أن مهمّة القائد قد انتهت ، فلم يقم بالقبّة طويلا بل خرج وامتطى ناقته القصواء وسار بها حتى بلغ الكعبة ، فطاف بالبيت سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن « 2 » . في يده . فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة ففتح الكعبة ، فوقف محمد على بابها وتكاثر الناس في المسجد ، فخطبهم وتلا عليهم قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) « 3 » . ثم سألهم : « يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ » قالوا : « خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ! » . قال : « فاذهبوا فأنتم الطلقاء » . وبهذه الكلمة صدر العفو العام عن قريش وعن أهل مكة جميعا . العفو العام ما أجمل العفو عند المقدرة ! ما أعظم هذه النفس التي سمت كل السمّو ، فارتفعت فوق الحقد وفوق الانتقام ، وأنكرت كل عاطفة دنيا ، وبلغت من النبل فوق ما يبلغ الإنسان ! هؤلاء قريش يعرف محمد منهم من ائتمروا به ليقتلوه ، ومن عذّبوه وأصحابه من قبل ذلك . ومن قاتلوه في بدر وفي أحد ، ومن حصروه في غزوة الخندق ، ومن ألّبوا عليه العرب جميعا ، ومن لو استطاعوا قتله وتمزيقه إربا إربا لما ونوا في ذلك لحظة ! هؤلاء قريش في قبضة محمد وتحت قدميه ، أمره نافذ في رقابهم ، وحياتهم جميعا معلّقة بين شفتيه ، وفي سلطانه هذه الألوف المدجّجة بالسلاح تستطيع أن تبيد مكة وأهلها في رجع البصر ! لكن محمدا ! لكن النبي ! لكن رسول اللّه ليس بالرجل الذي يعرف العداوة أو يريد بها أن تقوم بين الناس . وليس هو بالجبّار ولا بالمتكبر .

--> ( 1 ) سورة العلق الآيات من 1 إلى 5 . ( 2 ) المحجن : عصا منعطفة الرأس . ( 3 ) سورة الحجرات آية 13 .